زكريا القزويني
62
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
ومنهم : السياحون عليهم السلام ، وهم صنف من الملائكة يحبون مجالس الذكر فإذا رأوا مجالس الذكر احتووا عليها . وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن للّه تعالى سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس ، فإذا وجدوا قوما يذكرون اللّه تعالى ينادون : هلموا إلى بغيتكم ؛ فيجيئون بهم إلى السماء الدنيا ، فإذا انصرفوا يقول اللّه تعالى : على أي شيء تركتم عبادي يصنعون ؟ فيقولون : تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويقدسونك ، فيقول اللّه تعالى : وهل رأوني ؟ فيقولون : لا ، فيقول : كيف لو رأوني ؟ فيقولون : لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا وتمجيدا ، فيقول لهم : من أي شيء يتعوذون ؟ فيقولون : من النار ، فيقول : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا ، فيقول : كيف لو رأوها ؟ فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد هربا منها وأشد تعوذا ، فيقول : أي شيء يطلبون ؟ فيقولون : الجنة ، فيقول : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا ، فيقول : كيف لو رأوها ؟ فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد طلبا لها ، فيقول : أشهدكم أني قد غفرت لهم ، فيقولون : كان فيهم فلان لم يردهم إنما جاء لحاجة ، فيقول : هم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم » « 1 » . ومنهم : هاروت وماروت ، هما ملكان معذبان ببابل ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : لما خرج آدم صلى اللّه عليه وسلم من الجنة عريان ، نظرت إليه الملائكة وقالت : إلهنا ، هذا آدم بديع فطرتك أقله ولا تخذله ، فمر بملأ من الملائكة فوبخوه على نقضه عهد ربه ، وكان ممن وبخه يومئذ هاروت وماروت ، فقال آدم : يا ملائكة ربي ، ارحموا ولا توبخوا ، فذلك الذي جرى عليّ كان قضاء ربي ، فأبلاهما اللّه تعالى حتى عصيا ومنعا من الصعود إلى السماء . فلما كان أيام إدريس عليه السلام صارا إليه وذكرا له قصتهما ، ثم قالا له : هل لك أن تدعو لنا حتى يتجاوز عنا ربنا ؟ فقال إدريس عليه السلام : كيف لي العلم بالتجاوز عنكما ؟ قالا : ادع لنا ، فإن رأيتنا فهو الاستجابة ، وإن لم ترانا هلكنا ، فتوضأ إدريس عليه السلام وصلى ودعا اللّه تعالى ، ثم التفت فلم يرهما ، فعلم أن العقوبة حلت بهما واختطفا إلى أرض بابل ، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا فهما مسلسلان معذبان في بئر بأرض بابل منكسين إلى يوم القيامة « 2 » .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه أصحاب السنن . ( 2 ) انظر تفسير سورة البقرة للحافظ ابن كثير الجزء الأول .